ابن عجيبة
279
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم ذكر الحق تعالى قصة جالوت وملك داود عليه السّلام ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 250 إلى 252 ] وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 250 ) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ( 251 ) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 252 ) يقول الحق جل جلاله : ولما برز طالوت بمن معه لِجالُوتَ ، أي : ظهر في البراز ، ودنا بعضهم من بعض ، تضرعوا إلى اللّه واستنصروه ، وقالوا : رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً أي : اصببه علينا صبّا ، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا عند اللقاء لئلا نفرّ ، وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ . وفي دعائهم ترتيب بليغ ؛ سألوا أولا إفراغ الصبر في قلوبهم الذي هو ملاك الأمر ، ثم ثبات القدم في مداحض الحرب المسبب عنه ، ثم النصر على العدو المرتب عليها غالبا . فهزم اللّه عدوّهم وأجاب دعاءهم بإذنه وقدرته ، وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ . وقصة قتله : أن أصحاب طالوت كان فيهم بنو إيش ، وهو أبو داود عليه السّلام ستة أو سبعة ، وكان داود صغيرا يرعى غنما ، فلما حضرت الحرب قال في نفسه : لأذهبن لرؤية هذه الحرب ، فمرّ في طريقه ، بحجر فناداه : يا داود خذني ، فبى تقتل جالوت ، ثم ناداه حجر آخر ثم آخر فأخذها ، وجعلها في مخلاته وسار ، فلما حضر البأس خرج جالوت يطلب البراز ، وكاع « 1 » الناس عنه ، أي : تأخروا خوفا ، حتى قال طالوت : من يبرز له ويقتله فأنا أزوجه ابنتي ، وأحكّمه في مالي ، فجاء داود ، فقال له طالوت : اركب فرسى وخذ سلاحي ، ففعل ، وخرج في أحسن شكله ، فلما مشى قليلا رجع ، فقال الناس : جبن الفتى ، فقال داود : إن اللّه سبحانه لم يقتله ولم يعنى عليه ، لم ينفعني هذا الفرس ولا هذا السلاح ، ولكني أحب أن أقاتله
--> ( 1 ) كاع فلان : جبن وضعف .